ماعلاقة الذكاء الاصطناعي بزيادة تهالك البنية التحتية لتقنية المعلومات؟ تحديث الأنظمة والحلول هو مفتاح التمكين للاستدامة وللنمو الاقتصادي في الأتمتة الذكية

بقلم: “حمد الكثيري”، مسؤول هندسة الأنظمة للقطاع العام في المملكة العربية السعودية لدى شركة «نيوتنكس»

 

 

منذ إطلاق تقنية الذكاء الاصطناعي “تشات جي بي تي”( ChatGPT) من عام مضى، أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة هي محور اهتمام معظم قطاعات الأعمال. أشار مؤخرًا “جورج كولوني”، الرئيس التنفيذي لشركة “Forrester”، عن تقنية GenAI وعن دورها في تعزيز النمو الاقتصادي من خلال تعزيز الأتمتة و تحسين التخصص وصنع القرار، وعلى أنها “أهم عاصفة تقنية خلال الأربعين عامًا الماضية”، ويبدو أن قادة التقنية في جميع أنحاء منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا يتفقون على ذلك. أصبح الذكاء الاصطناعي الآن أولوية بالنسبة لـ 90% من صانعي القرار في مجال تقنية المعلومات وDevOps وهندسة المنصات، ووفقًا لتقرير “Vanson Bourne و نيوتنكس عن أهمية الذكاء الاصطناعي للمؤسسات”. بدأت الأسئلة تُطرح حول البنية التحتية الحالية لتقنية المعلومات وقدرتها على التكيّف مع المشهد الحالي. وهل الأنظمة الحالية تلبى بالفعل المتطلبات التى يعتمدها الذكاء الاصطناعي؟

 

الجواب بشكل مختصر هو “لا”. بدايةً، نحن نواجه معضلة كفاءة الطاقة. وذلك عنصر حذرت منه مؤسسة “Gartner” في شهر يناير الماضي، وذكرت بأنه بحلول عام 2025 “سوف يستهلك الذكاء الاصطناعي معدل طاقة أعلي من المعدلات المستخدمة بسبب العنصر البشرى الذي يدير عمليات تقنية المعلومات مما سيؤثر بشكل كبير على المكتسبات البيئية لأهداف الانبعاثات الصفرية للكربون”. كما أشارت دراسة حديثة بعنوان “بصمة الطاقة المتزايدة للذكاء الاصطناعي“، إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تستهلك قدرًا من الطاقة يعادل استهلاك دولة بحجم هولندا بحلول عام 2027.

 

لتسليط الضوء من خلال التقارير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) و التركيز علي وضع الذكاء الاصطناعي للمؤسسات هو أمر بالغ الأهمية. معظم عمليات الذكاء الاصناعي اليوم من التدريب والاستدلال على نماذج الذكاء الاصطناعي/التعلم الآلي، تعمل على وحدات معالجة الرسومات فائقة الأداء، والتي تدعمها ذاكرة وتخزين عالية الأداء بنفس القدر ، والتي أكدت نتائج التقارير بأن هذه الوحدات مجتمعةً تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء وتتطلب طاقة إضافية للتبريد النشط داخل مركز البيانات الخاص أو العام.

 

كما أضاف التقرير تحديات أخرى تتعلق بعنصر ومعيار المهارة. حيث تعتبر الفجوات المهارية بين البشر و قدرات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، أصبحت مصدر قلق كبير. يزعم أكثر من 40% من المشاركين في التقرير من أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا أنهم يفتقرون إلى GenAI والمهارات الهندسية اليقظة، وأنهم بحاجة ماسة إلى علوم البيانات، مما سيؤثر حتماً على قدرة المؤسسات على تلبية توقعاتها الخاصة بمشاريع الذكاء الاصطناعي.

 

الأمر يصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلي العوامل الرئيسية الأخرى مثل إدارة البيانات وقابلية التوسع في الأنشطة الضرورية للمؤسسة. بالإضافة إلي نقص المهارات والحاجة إلى تحديث الأنظمة وهما عنصران يفتقدان التلاقي في بيئة العمل، لذا فإن معالجة المهارات أمر مهم فى تلبية المتطلبات المستمرة لتغيير البنية التحتية.

 

العالم الحديث

لن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلا إلى زيادة الضغط على الأنظمة الحالية، ولذلك، هنالك أيضًا إدراك متزايد في الحاجة إلى معالجة إدارة ودعم تشغيل أعباء عمل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. صنف المشاركون في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا هذا التحدي باعتباره التحدي الأول خلال العامين المقبلين. وأشار المشاركون أيضًا إلى أن عناصر الأمن والموثوقية والتعامل مع الكوارث ومعالجتها كاعتبارات مهمة في استراتيجية الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم.

 

مع تجاوز تكلفة تحديث البنية التحتية وأمن البيانات (وهو ثالث أدنى معيار للمؤسسات في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا التي تدير أو تخطط لتشغيل أعباء عمل الذكاء الاصطناعي)، هناك إشارة واضحة إلى أن المؤسسات في المنطقة تدرك أنه للاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي، يتعين عليهم الحصول على بنية تحتية صحيحة ومتكاملة.

 

يوضح التقرير ذلك بشكل أكبر، حيث اتفق أكثر من 90% من المشاركين في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا على أن تكاليف تقنية المعلومات والإنفاق المتعلق بالحوسبة السحابية سترتفع بسبب تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كما تُظهر المؤسسات في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا الرغبة في الإنفاق لدعم مبادرات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها ويكمن التحدي في أين وكيف يتم هذا الإنفاق برشد.

 

سيؤدي الأمر إلى تحديد الأولويات. وفي حين أن تحديد ومعالجة النقص في المهارات يمثل قضية ثابتة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالتقنية الناشئة، فإن تحديث البنية التحتية يشكل عنصر أساسي. تتمتع تطبيقات وخدمات الذكاء الاصطناعي بعلاقة تكافلية مع مجموعات البيانات والنماذج والبنية التحتية الأساسية الخاصة بها. وهذا أمر يوضحه التقرير بأن الشركات تدركه تمامًا، وبالتالي فإن التحدي يكمن في كيفية تطوير استراتيجيات أمن البيانات والجودة لجعل تقنية الذكاء الاصطناعي الخاصة بها موثوقة ومرنة قدر الإمكان.

 

بكل تأكيد، ستؤدي طبيعة الاندفاع نحو اعتماد GenAI إلى بعض الإفراط في الإنفاق على المدى القصير لسد فجوات المهارات وتوفير قدرات البنية التحتية. ومع ذلك، هناك حاجة إلى خطة تحديث طويلة المدى للاستفادة الحقيقية من التقنية، ولضمان قابلية التوسع وإدارة أعباء الأعمال الذكية التي تعمل على تحسين التكاليف واستخدام الطاقة. وهذا يعني التنفيذ الفعال وإدارة البيانات عبر بيئات متعددة – مركز البيانات، الحوسبة السحابية، وحوسبة الحافة أو الموزعة – حيث سيلعب كل منها دورًا حاسمًا في دعم سير عمل الذكاء الاصطناعي المتكامل.

 

إدارة البيانات يجب أيضًا أن تأخذ في الاعتبار معايير الأمن وجودة وحماية البيانات، ونظرًا لمتطلبات عنصر سيادة البيانات، وخاصة في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، يجب أن يكون هذا مبدأً أساسيًا عند تطبيق أي استراتيجية  تخص الذكاء الاصطناعي. وبطبيعة الحال، هذا كله عبارة عن عملٍ مستمر. لا تزال المنظمات تحاول التوصل إلى أفضل السبل لاستخدام GenAI. وحتماً، سيكون هناك رواد في الطليعة يتبنون هذه التقنية، مما سيؤدي إلى تسريع عملية تبني التقنية واكتشاف الأخطاء على مدى الطريق، ولكن بالنسبة للأغلبية، هناك بعض الأساسيات الحاضرة.

 

البنى التحتية القائمة ليست كافية. سوف تتعثر وتفشل تحت ضغط الذكاء الاصطناعي، إن لم يكن فعليًا، فمن المؤكد ستكون من حيث القدرة والحوكمة. وفي هذا الصدد – بالنسبة لمعظم المؤسسات – سيكون الذكاء الاصطناعي بمثابة سباق الماراثون طويل الأمد، وحتما لن يكون سباقاً قصيراً وسريعًا.