العيش حتى 120 عاماً؟ الشرق الأوسط يقود ثورة الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية

بقلم: فيديريكو بينوفي، الرئيس التنفيذي لمنطقتي آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “غلوبانت”
عندما تتسارع التكنولوجيا بوتيرة متصاعدة، فإنها قد تفاجئ حتى الخبراء. ويُعد الذكاء الاصطناعي التوليدي إحدى نقاط التحول الكبرى من هذا النوع، ولا يبدو تأثير هذا التحول أكثر وضوحاً وعمقاً في أي مجال كما يتضح في مجالي الرعاية الصحية والشيخوخة، لا سيما في منطقة الخليج، حيث تدفع التحولات الديموغرافية نحو إحداث تغييرات غير مسبوقة.
وفي المملكة العربية السعودية، يُتوقع أن يرتفع عدد السكان الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً بمقدار خمسة أضعاف بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين، مما يجعل قضية إطالة العمر لا تقتصر على كونها نقاشاً غربياً فحسب، بل تتحول إلى واقع اقتصادي واجتماعي في منطقة الشرق الأوسط الذي يصبح فيه الذكاء الاصطناعي ضرورة لا مجرد خيار.
وفي الوقت الذي تواجه فيه معظم المؤسسات تحديات في تحويل الذكاء الاصطناعي من مجرد نماذج تجريبية إلى تطبيقات عملية واسعة النطاق، تعمل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على بناء بنية تحتية متكاملة على مستوى المنظومة، وهو ما يمثل جوهر التحول الحقيقي الجاري في المنطقة. ففي إطار رؤية المملكة 2030، تدمج السعودية الذكاء الاصطناعي في كافة جوانب منظومتها الصحية، فيما يوظف”برنامج “الجينوم السعودي” بيانات العلوم الحيوية المتعددة، بما يشمل علم الجينوم والبروتيوميات والأيض، إلى جانب الذكاء الاصطناعي، للانتقال من الرعاية القائمة على الاستجابة للمرض إلى الرعاية التنبؤية الاستباقية، متجاوزاً التشخيصات المنفصلة نحو نماذج مستمرة للكشف المبكر.
وشهدت الرياض مؤخراً استعراض أول عملية زراعة قلب في العالم تُجرى بالكامل بواسطة الروبوت، إلى جانب تطورات في العلاج بالخلايا التائية ذات مستقبلات المستضدات الخيمرية (CAR-T)، والتعليم الطبي القائم على تقنيات الواقع الافتراضي، ووحدات متنقلة لعلاج السكتات الدماغية مزودة بقدرات تشخيصية متقدمة. وفي الوقت ذاته، أصبحت تقنيات التوأم الرقمي (Digital Twin) والطب الدقيق تتجه نحو الاستخدام الاعتيادي بدلاً من بقائها في الإطار التجريبي. وتعكس هذه المبادرات توجهاً وطنياً نحو تعزيز إطالة العمر الصحي، يضع أبحاث علوم الشيخوخة والتوائم الرقمية الشخصية ضمن ركائز البنية التحتية الصحية، بالتوازي مع دور مبتكري القطاع الخاص، مثل ” “Rewind، التي تعمل على تطوير حلول تشخيصية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تهدف إلى الوقاية من الأمراض قبل ظهورها.
وذهبت دولة الإمارات إلى أبعد من ذلك، إذ تتعامل مع إطالة العمر باعتبارها صناعة وطنية. وتقدم عيادة “بيورا لإطالة العمر الصحي”Pura Longevity في أبوظبي، تقييمات متكاملة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وبرامج شخصية للوقاية تجمع بين التغذية والنوم واللياقة البدنية وخدمات الصحة النفسية، بما يسهم في نقل طب إطالة العمر من نطاق الخدمات المتخصصة لفئات محدودة إلى مسار أكثر حضوراً ضمن الرعاية الصحية العامة.
وفي دبي، ضمن خطة تحسين جودة الحياة وإطالة العمر الصحي، تتجه الطموحات نحو ترسيخ مكانة دبي لتصبح عاصمة عالمية لمفهوم “الرعاية الصحية الاستباقية ” (Well-care)، وتقنيات تحسين الأداء الحيوي (Biohacking)، والعلاجات بالخلايا الجذعية، ومكافحة الشيخوخة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ضمن استراتيجية أوسع تستهدف هندسة مفهوم “الحياة لمئة عام” من خلال الطب الوقائي والتجديدي المتقدم.
وتستضيف دولة الإمارات حالياً 680 شركة متخصصة في مجال إطالة العمر، إلى جانب 670 مستثمراً موزعين على 100 مركز للابتكار، تغطي مجالات التكنولوجيا الدوائية، والتطبيب عن بُعد، ومستحضرات التجميل المتقدمة، والصحة النفسية، والعافية، مما يجعل إطالة العمر قطاعاً اقتصادياً متكاملاً. وفي السياق ذاته، يعمل “معهد الحياة الصحية في أبوظبي” على بناء منظومة متكاملة لطب إطالة العمر الصحي، تشمل الرعاية السريرية المتخصصة ومراكز الابتكار، وأبحاث صحة المجتمع. ويبرز الالتزام الحكومي بوضوح في هذا التوجه من خلال تنظيم دائرة الصحة في أبوظبي منتديات عالمية تستهدف تسريع تطوير الرعاية الصحية الشخصية وعلوم إطالة العمر.
ما وراء الضجة: العنصر البشري
لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: المزيد من الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة صحة أفضل. فمثل ملايين الأشخاص الذين يتتبعون أنماط نومهم، ويراقبون معدلات التعافي، ويقيسون مؤشرات التوتر، قد نجد أنفسنا محاطين بلوحات معلومات ومؤشرات صحية تقيس كل شيء وترسل إشعارات بشأنه. ومع تزايد حجم البيانات التي نجمعها، يبرز سؤال جوهري: هل أصبحنا بالفعل أكثر صحة، أم أننا أصبحنا فقط أكثر وعياً بمصادر قلقنا؟
وتواجه منظومة الرعاية الصحية خطر تكرار الخطأ نفسه الذي وقعت فيه المؤسسات خلال رحلة التحول الرقمي، عندما أضافت طبقات متتالية من التكنولوجيا من دون إعادة تصميم البنية الأساسية للمنظومة، ما أدى إلى ظهور المزيد من التطبيقات والبوابات والتجارب المجزأة، وتحويل الضوضاء التقنية إلى ما يبدو ظاهرياً وكأنه تقدم.
وقد سلط باحثون في كلية الطب بجامعة هارفارد الضوء على قدرة الذكاء الاصطناعي بالفعل على مضاهاة أداء الأطباء أو التفوق عليهم في بعض المهام التشخيصية المحددة، خصوصاً في التصوير الطبي والتعرف على الأنماط. وفي الوقت نفسه، أظهرت “عيادة جميل” التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) كيف يمكن لنماذج التعلم الآلي تسريع دورات اكتشاف الأدوية من سنوات إلى أشهر، فيما تشير تقديرات “ماكينزي” إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يحقق قيمة تصل إلى 100 مليار دولار سنوياً في قطاعي الأدوية والمنتجات الطبية وحدهما.
ومع ذلك، فإن الوعد الحقيقي للذكاء الاصطناعي في مجال الشيخوخة لا يكمن في إضافة الذكاء إلى كل جانب من جوانب الرعاية الصحية، بل في تقليل التعقيدات وتعزيز القدرة على اتخاذ القرارات السليمة، من خلال أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI) القادرة على تنسيق الإجراءات بصورة مستقلة عبر بيئات معقدة. ومن شأن ذلك أن ينقل الرعاية الصحية من نموذج الاستجابة بعد حدوث المرض إلى نموذج استباقي يتوقع المخاطر قبل وقوعها، من خلال مسارات صحية تكيفية مصممة وفقاً للخصائص البيولوجية والسلوكية والبيئية لكل فرد، بدلاً من الاكتفاء بنصائح عامة حول الصحة والعافية.
لكن علينا توخي الحذر، فالبيولوجيا ليست برمجيات، والبيانات قد تنطوي على تحيزات، والتنبؤات قد تُفسَّر بصورة خاطئة. كما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُدرَّب بصورة أساسية على مجموعات محددة من البيانات قد لا تحقق الكفاءة نفسها عند تطبيقها على مجتمعات أخرى. ولذلك، يجب أن تشكل الحوكمة وقابلية تفسير مخرجات الذكاء الاصطناعي والمساءلة الطبية متطلبات أساسية منذ البداية، لا اعتبارات تكميلية تأتي لاحقاً.
الصورة الأكبر
من منظور مسؤول تنفيذي في قطاع التكنولوجيا، سيعيد العقد المقبل رسم ملامح اقتصاديات الرعاية الصحية، مع تحول الأنظمة من نموذج يتمحور حول المستشفيات إلى آخر يركز على الوقاية، وتطور هياكل الدفع نحو نماذج ترتبط بالنتائج الصحية المحققة. وفي هذا السياق، لن يحل الذكاء الاصطناعي محل الأطباء، بل سيمكّن من يوظفونه بفاعلية من التفوق وتحقيق أداء أفضل مقارنة بمن لا يستفيدون من إمكاناته.
لقد أدركت منطقة الشرق الأوسط أبعاد هذا التحول؛ إذ يعكس توجه دولة الإمارات نحو علوم الجينوم، واستثمارات المملكة العربية السعودية في التكنولوجيا الحيوية والصحة الرقمية، إدراكاً متزايداً بأن إطالة العمر الصحي ستصبح أحد العوامل المؤثرة في القدرة التنافسية للدول، وأن سنوات الحياة التي يتمتع فيها الإنسان بصحة جيدة ستصبح أحد مؤشرات الازدهار، وليس الناتج المحلي الإجمالي وحده.
وفي ظل الاستثمارات الحكومية الضخمة في المستشفيات الذكية، وبرامج الجينوم، والاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي، تبرز أمام هذه الدول فرصة كبيرة لتعزيز مكانتها كمراكز عالمية رائدة في مستقبل إطالة العمر الصحي وعلوم الشيخوخة. وتعكس هذه التحولات انتقال الذكاء الاصطناعي من نطاق التجارب والمبادرات المحدودة إلى ركيزة أساسية في البنية التحتية للقطاع الصحي، بالتزامن مع تنامي الاهتمام بإطالة العمر الصحي بوصفها أولوية وطنية متزايدة الأهمية، لما تحمله من أبعاد صحية واقتصادية واجتماعية.
Knowledge Economic City Signs Exclusive Brokerage Agreements at Future Hospitality Summit World 2026 as It Strengthens Investor Engagement
ALMARAI DELIVERS BROAD-BASED REVENUE GROWTH IN Q3 2026
Within its expansion in the Saudi market “Al Othaim Investment” Launches “Al Othaim Developments” with Investments Exceeding SAR 16 Billion 