المعلم اليوم.. هل بقيت الهيبة أم تغيّر كل شيء؟

بقلم/ د. وسيلة محمود الحلبي

هل ما زال المعلم هو المعلم الذي عرفناه؟
ذلك الإنسان الذي يدخل الفصل فلا يحمل معه كتابًا ومنهجًا فقط، بل يحمل قلبًا كبيرًا، وصبرًا طويلًا، ورسالة تتجاوز حدود الحصة والدرجات والاختبارات؟
هذا السؤال يراودني كثيرًا، وربما لأنني عشت الإجابة عليه ثلاثة عشر عامًا كاملة.
كنتُ معلمة، وعشت مع طالباتي أجمل سنوات العمر؛ سنواتٍ لم تكن فيها المدرسة مجرد مكان للعمل، ولا الفصل مجرد مساحة لإلقاء الدرس. كانت المدرسة حياة كاملة؛ فيها العطاء، والمودة، والمحبة، والأنشطة، والضحكات، والمواقف التي لا تُنسى، والتفاهم مع الطالبات وأسرهن، ومشاركة صغيرة في صناعة شخصية إنسانة قد تحمل يومًا ما أثر معلمتها معها إلى آخر العمر.
كنت أرى في عيون طالباتي أسئلة لا تُكتب في الكتب، وأحلامًا لا تظهر في الاختبارات، واحتياجات إنسانية لا تستطيع المناهج وحدها أن تلبيها.

ومن هنا يبدأ السؤال الأصعب:
هل ما زال المعلم اليوم يعطي كما كان معلمو الأمس؟

لا أعتقد أن الإجابة يمكن أن تكون نعم أو لا ببساطة.
فالمعلم اليوم يعمل في زمن مختلف تمامًا. الطالب تغيّر، والأسرة تغيّرت، والمجتمع تغيّر، والتقنية دخلت إلى كل تفاصيل الحياة، والمعلومة التي كان الطالب ينتظر المعلم ليقدمها له أصبحت في متناول يده خلال ثوانٍ.
لكن هناك شيئًا واحدًا لا تستطيع التقنية أن تمنحه للطالب بالمعنى الإنساني الكامل:
أن يشعر بأن هناك معلمًا يؤمن به، ويراه، ويهتم به، ويستمع إليه.
المعلم الحقيقي لم يكن يومًا مجرد ناقل للمعلومة.
كان قدوة، ومربيًا، وناصحًا، وأحيانًا مستمعًا، وأحيانًا سندًا، وأحيانًا الشخص الوحيد الذي يكتشف موهبة طالب لم يكتشفها أحد.
ولذلك فإن قيمة المعلم لا تقاس بعدد الحصص التي أنجزها، ولا بعدد الأوراق التي صححها، ولا بالدرجات التي وضعها أمام أسماء طلابه.
قيمة المعلم الحقيقية تُقاس بعدد الأرواح التي ترك فيها أثرًا طيبًا.

وماذا عن هيبة المعلم؟
هنا يصبح السؤال أكثر حساسية:
هل ما زالت للمعلم هيبته؟

الهيبة التي أقصدها ليست الخوف.
فالخوف قد يصنع صمتًا داخل الفصل، لكنه لا يصنع احترامًا.
هيبة المعلم الحقيقية هي أن يدخل الفصل فيعرف الطلاب أن أمامهم إنسانًا يستحق الاستماع، وأن كلمته لها وزن، وأن وجوده له قيمة، وأن العلاقة بين الطالب ومعلمه قائمة على الاحترام المتبادل.
لقد تغيرت صورة السلطة في التعليم. وهذا ليس بالضرورة أمرًا سلبيًا.
فالطالب اليوم أكثر جرأة في السؤال، وأكثر قدرة على النقاش، وأكثر اطلاعًا على العالم من حوله. وهذه كلها أمور يمكن أن تكون إيجابية إذا رافقها الأدب والانضباط واحترام المعلم.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الجرأة إلى تجاوز، والحرية إلى فوضى، والثقة بالنفس إلى انتقاص من الآخرين.
فلا يمكن أن نطالب الطالب بالإبداع إذا كان خائفًا من السؤال، كما لا يمكن أن نطالبه بالنجاح إذا فقد احترامه لمن يعلمه.
المعادلة ليست أن نعيد هيبة الماضي كما كانت، ولا أن نتخلى عن الهيبة تمامًا؛ بل أن نصنع هيبة جديدة قوامها الاحترام لا الخوف.

وهل ما زال الطلاب يحترمون المعلم؟

نعم، هناك طلاب ما زالوا يحملون لمعلميهم حبًا عظيمًا، وقد تبقى كلمة معلم في ذاكرة الطالب عشرات السنين.
لكن علينا أن نسأل سؤالًا آخر:
هل نحن، كمجتمع، ما زلنا نمنح المعلم المكانة التي يستحقها؟
فالطالب يتعلم احترام المعلم أيضًا من أسرته ومجتمعه.
حين يسمع الطفل في المنزل حديثًا يحترم المعلم، سيكبر وهو يدرك قيمة هذه المهنة.
وحين يسمع العكس، فإننا نضعف صورة المعلم في عينيه قبل أن يدخل المدرسة.
المعلم لا يستطيع وحده أن يعيد للمدرسة مكانتها إذا كان المجتمع كله لا يساعده على ذلك.
معلم الأمس.. ومعلم اليوم
ربما يحن كثيرون إلى معلم الأمس.
إلى المعلم الذي كان يعرف أسماء طلابه، وظروفهم، وأحلامهم، وربما يعرف شيئًا عن أسرهم أيضًا.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نقارن جيلًا بجيل وكأن أحدهما مثالي والآخر فقد كل شيء.
معلم اليوم لديه تحديات لم تكن موجودة بالشكل نفسه من قبل.

ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعًا:
هل ما زالت الحصة عند بعض المعلمين مجرد حصة؟ أم أنها ما زالت فرصة لصناعة إنسان؟

فالمعلم الذي يدخل الفصل وينهي المنهج فقط، يؤدي جزءًا من مهمته.
أما الذي يدخل الفصل ويخرج منه وقد جعل طالبًا أكثر ثقة بنفسه، أو أكثر حبًا للعلم، أو أكثر قدرة على مواجهة الحياة، فقد أدى رسالة تتجاوز المنهج كله.
وهنا أتذكر سنواتي الثلاث عشرة في التعليم.
لم تكن أجمل الذكريات مرتبطة دائمًا بدرجات الطالبات أو بنجاحهن في الاختبارات.
بل كانت في طالبة تغيرت، وأخرى اكتشفت موهبتها، وثالثة احتاجت كلمة تشجيع، ورابعة بقيت علاقتها بمعلمتها بعد سنوات طويلة.
تلك هي الثروة الحقيقية للمعلم.
أن يرحل من المدرسة، لكن شيئًا منه يبقى في طلابه.
لا نريد عودة الزمن.. نريد عودة الروح
لسنا بحاجة إلى إعادة التعليم إلى الماضي.
ولا يمكن أن نعيد الزمن إلى الوراء.
نحن بحاجة إلى أن نأخذ من الماضي أجمل ما فيه:
الالتزام، والاحترام، والقدوة، والرحمة، والإخلاص، والشعور بأن التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة.
ونأخذ من الحاضر أجمل ما فيه:
التقنية، والانفتاح، والحوار، والإبداع، والتفكير النقدي، واحترام شخصية الطالب.
ثم نصنع منهما تعليمًا جديدًا يحفظ للمعلم مكانته، وللطالب كرامته، وللمدرسة رسالتها.

وأعتقد أن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس:
أيهما أفضل.. معلم الأمس أم معلم اليوم؟
بل:
ماذا نريد من معلم الغد؟
نريده معلمًا يعرف التكنولوجيا، لكنه لا يسمح لها أن تلغي إنسانيته.
نريده قوي الشخصية دون قسوة، قريبًا من طلابه دون أن يفقد هيبته، متفهمًا دون أن يتنازل عن الانضباط، ومحبًا لمهنته دون أن تتحول المهنة إلى مجرد ساعات عمل.
نريده أن يعرف أن الطالب قد ينسى الدرس، وينسى الاختبار، وينسى تفاصيل الكتاب، لكنه غالبًا لن ينسى كيف جعله معلمه يشعر.
ولهذا، وبعد ثلاثة عشر عامًا قضيتها في مهنة التعليم، أستطيع أن أقول إن أجمل ما في المعلم ليس صوته المرتفع، ولا سلطته داخل الفصل، ولا قدرته على فرض الصمت.
أجمل ما فيه أن يترك في قلب طالبه احترامًا للعلم، وثقة بالنفس، ومحبة للحياة.
فالهيبة التي تبنى على الخوف تزول بانتهاء الحصة.
أما الهيبة التي تبنى على المحبة والقدوة والعلم والاحترام، فإنها قد تبقى في ذاكرة الطالب حتى بعد أن يكبر ويغادر المدرسة بسنوات طويلة.
وربما لهذا السبب، كلما التقيت طالبة من طالباتي القديمات، لا أسألها أولًا:
هل تذكرتِ دروسي؟
بل أتمنى في داخلي أن تقول:
“كنتِ معلمتي.. وما زلتِ جزءًا جميلًا من ذاكرتي.”
وهنا فقط أشعر أن السنوات الثلاث عشرة لم تذهب سدى.

سفيرة الإعلام العربي
كاتبة .مستشار إعلامي
معلمة سابقا